أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
195
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » - وقد نقله عن الزمخشري وحده - : « وليس بجيد ، لأن فيه تقييد « خَيْرٌ » بهذه الحال » . « قلت : ولا محذور فإنّ هذه الحال لازمة ، لأنها مؤكدة لا مبنية ، وليس هذا بأول حال وردت لازمة ، وقرأ الباقون « حفظا » ، ولم يجوزوا فيها غير التمييز ، لأنهم لو جعلوها حالا لكانت صفة ما يصدق عليه « خَيْرٌ » ، ولا يصدق ذلك على ما يصدق عليه « خَيْرٌ » ، لأن الحفظ معنى من المعاني ، ومن يتأول : « زيد عدل » على المبالغة أو على حذف المضاف ، أو على وقوع المصدر موقع الوصف ، يجيز في « حفظا » أيضا الحالية بالتأويلات المذكورة ، وفيه تعسف . قوله : رُدَّتْ إِلَيْنا . قرأ علقمة ويحيى والأعمش « ردت » بكسر الراء على نقل حركة الدال المدغمة إلى الراء ، بعد توهم خلوها من حركتها ، وهي لغة بني ضبّة ، على أن قطربا حكى عن العرب نقل حركة العين إلى الفاء في الصحيح ، فيقولون : ضرب زيد ، بمعنى : ضرب زيد ، وقد تقدم ذلك في قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا في الأنعام . قوله : « ما نَبْغِي » في « ما » هذه وجهان : أحدهما - وهو الأظهر - : أنها استفهامية فهي مفعول مقدم واجب التقديم ، لأن لها صدر الكلام ، أي : أي شيء نبغي . والثاني : أن تكون نافية ، ولها معنيان : أحدهما : ما بقي لنا ما نطلب ، قاله الزجاج . والثاني : ما نبغي من البغي ، أي : ما افترينا ولا كذبنا على هذا الملك في إكرامه وإحسانه . قال الزمخشري : « ما نبغي في القول ، وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك » . وأثبت الفراء هذه الياء في « نَبْغِي » وصلا ووقفا ، ولم يجعلوها من الزوائد ، بخلاف التي في الكهف ، كما سيأتي : قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ ، والفرق أن « ما » هناك موصولة ، فحذف عائدها ، والحذف يأنس بالحذف ، وهذه عبارة مستفيضة عند أهل الصناعة ، يقولون : التغيير يؤنس بالتغيير بخلافها هنا ، فإنها إمّا استفهامية ، وإما نافية ، ولا حذف على القولين حتى يؤنس بالحذف . وقرأ عبد اللّه وأبو حيوة ، وروتها عائشة عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - « ما تبغي » بالخطاب ، و « ما » تحتمل الوجهين أيضا في هذه القراءة ، والجملة من قوله : « هذِهِ بِضاعَتُنا » تحتمل : أن تكون مفسرة لقولهم ما نَبْغِي وأن تكون مستأنفة . وقوله : ونمير معطوفة على الجملة الاسمية قبلها ، وإذا كانت « ما » نافية جاز أن تعطف على « نَبْغِي » فيكون عطف جملة فعلية على مثلها . وقرأت عائشة وأبو عبد الرحمن « وَنَمِيرُ » : من أماره إذا جعل له الميرة ، يقال : ماره يميره ، وأماره يميره ، جلب الخير ، قال : 2829 - بعثتك مائرا فمكثت حولا * متى يأتي غياثك من تغيث « 2 » « والبعير » : لغة يقع على الذّكر خاصة ، وأطلقه بعضهم على النّاقة أيضا ، وجعله نظير : إنسان ، ويجوز كسر
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 322 ) . ( 2 ) البيت لعائشة بنت سعد كما في اللسان « غوث » وقيل للعامري انظر الطبري ( 16 / 162 ) ، التهذيب غوث ( 8 / 177 ) ، الصحاح ( 1 / 289 ) ، القرطبي ( 9 / 224 ) .